محمد بن جرير الطبري

312

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

به . وإن شئت جعلت " الصد " " كبيرًا " ، يريد به : قل القتالُ فيه كبير ، وكبيرٌ الصدُّ عن سبيل الله والكفر به . ( 1 ) * * * قال أبو جعفر : قال فأخطأ - يعني الفراء - في كلا تأويليه . وذلك أنه إذا رفع " الصد " عطفًا به على " كبير " ، يصير تأويل الكلام : قل القتالُ في الشهر الحرام كبيرٌ وصدٌّ عن سبيل الله ، وكفرٌ بالله . وذلك من التأويل خلافُ ما عليه أهل الإسلام جميعًا . لأنه لم يدَّع أحد أن الله تبارك وتعالى جعل القتال في الأشهر الحرم كفرًا بالله ، بل ذلك غير جائز أن يُتَوَهَّم على عاقل يعقل ما يقولُ أن يقوله . وكيف يجوز أن يقوله ذو فطرة صحيحة ، والله جل ثناؤه يقول في أثر ذلك : " وإخراجُ أهله منه أكبرُ عند الله " ؟ ! فلو كان الكلام على ما رآه جائزًا في تأويله هذا ، لوجب أن يكون إخراج أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام ، كان أعظمَ عند الله من الكفر به ، وذلك أنه يقول في أثره : " وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله " . وفي قيام الحجة بأن لا شيء أعظمُ عند الله من الكفر به ، ما يُبين عن خطأ هذا القول . وأما إذا رفع " الصد " ، بمعنى ما زعم أنه الوجه الآخر - وذلك رفعه بمعنى : وكبير صدٌّ عن سبيل الله ، ثم قيل : " وإخراجُ أهله منه أكبرُ عند الله " - صار المعنى إلى أن إخراجَ أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام ، أعظمُ عند الله من الكفر بالله والصدِّ عن سبيله ، وعن المسجد الحرام . ومتأوِّل ذلك كذلك ، داخل من الخطأ في مثل الذي دخل فيه القائلُ القولَ الأوّل : ( 2 ) من تصييره بعض خلال الكفر أعظمَ عند الله

--> ( 1 ) هو قول الفراء ، كما سيأتي بعد في النص ، وانظر معاني القرآن 1 : 141 . وقد رد الطبري كلام الفراء ردًا حكيما ، وأظهر الفساد الذي ينطوي عليه قول من يقول في القرآن ، وهو لا يحكم النظر في أحكام الله ، فيظن كل جائز في العربية والنحو ، جائزا أن يحمل عليه كتاب الله . وردود الطبري تعلم المرء كيف يتخلق بأخلاق أهل العلم والإيمان ، من الأناة والتوقف والصبر والورع ، أن تزل قدم في هوة من الضلال والجهالة وسوء الرأي . ( 2 ) في المطبوعة : " داخل من الخطأ مثل . . . " سقطت " في " من ناسخ فيما أرجح .